مقالات الرأي

د.سميرة مبيض: “اياد الغريب، الثورة والانعتاق من ارث المنظومة القمعية”

د.سميرة مبيض: "اياد الغريب، الثورة والانعتاق من ارث المنظومة القمعية"

لا بد أن أول خطوة علينا اتخاذها عندما نبدي رأياً بقضية ما هي أن نفكر من موقع الشخص المعني بالحدث، والحدث اليوم بما يشغل نقاشات السوريين هو الحكم بالسجن لمدة أربعة أعوام ونصف على الضابط المنشق اياد الغريب، ضابط سابق في أحد فروع الأمنية لنظام الأسد والذي انشق بعد قرابة عام من بدء الثورة السورية ومن ثم لجأ لألمانيا عام 2019 وصدر بحقه مؤخراً حكم بالسجن ضمن سياق مجريات محكمة كوبلنز في المانيا.

تنحصر النقاشات الحادة للسوريين بحدث الحكم بالسجن وتغفل ما قبله ما بعده، تغفل بشكل رئيسي مساراً هاماً لمواقف وقرارات اياد الغريب، صاحب الشأن، والذي منذ وصوله لألمانيا في نيسان من عام 2019 كان صريحاً وواضحاً بما قدمه عن طبيعة عمله لدى فروع المخابرات في سوريا وبالمعلومات التي قدمها عن عمليات التعذيب التي تجري في هذه الفروع، وعن دوره ضمنها ولم يكن اياد الغريب يجهل أنه يُشكل جزءاً من هذه المنظومة وأن ما سيقدمه هو ادلاء شهادة ستؤخذ بكافة جوانبها وتفاصيلها كقرائن ودلائل ضد نظام الأسد الذي كان جزءاً منه وانشق عنه، حتى قرار الانشقاق بحد ذاته لم يكن يجهل خطورته على نفسه وحياته وحياة عائلته على الأخص لمن كان في موقع على درجة من الاطلاع على تفاصيل تتعلق بانتهاكات إنسانية تُمارس في اقبية هذه الفروع ضد المعتقلين.

نحن إذاً أمام ضابط سوري اتخذ بملأ ارادته قرار الانشقاق، بل واتخذ قرار تقديم شهادته أمام محكمة أوروبية لكشف الممارسات الرهيبة التي تجري في المعتقلات رغم ادراكه أنه يشهد بشكل بديهي على موقعه السابق ومهامه السابقة وأنه سيُحاسب على ما شارك به من انتهاكات ورغم ذلك قام بما يمليه عليه واجبه كشخص اتخذ قراراً فعلياً وليس صورياً بالانشقاق أي يمكننا القول إنه اختار الانعتاق من ارث المنظومة القمعية والوقوف ضد الظلم في لحظة محددة وواضحة.

بالمقابل أخذت المحكمة بعين الاعتبار هذا الامر وجاء الحكم مخففاً، نسبة لما كان يمكن أن يكون عليه لو أن الشخص المعني حاول إخفاء هذه الحقائق أو المراوغة عن مهامه السابقة حين كان على رأس عمله في المنظومة الأمنية للنظام، تعاونه مع المحكمة الألمانية يظهر مساره أقرب لقرار بالانعتاق والانفكاك عن جرائم الأسد والوقوف بالضفة المحاربة، قرار واعي بالنتائج قبل حصولها فلم يُقدم اياد الغريب انشقاقه والحكم بأربع سنوات ونصف الذي سيقضيه في السجون الألمانية الا لقاء الوصول لهدف هو اثبات الجرم على منظومة القمع والتعذيب، وذلك أمر على درجة كبيرة من الأهمية.

لنخرج اذاً من هذا النقاش المُغرق في متاهة الأسد، ما هي طائفة هذا الضابط أو ذاك وكيف ولماذا تتم هذه المحاكمة ولا تتم تلك المفترضة انها الاكثر عدلاً، ولنحترم مسار صاحب القضية واختياره الحر بالانشقاق، فهو لم يطرح على نفسه تلك الاسئلة قبل ان يتخذ قرار انعتاقه من هذه المنظومة، ولم يسأل، لحسن الحظ، عن ما سيحدث من سيل من اللغو بعد قراره. فالجوهر والعبرة من مساره ومواقفه قد ثبته وانتهى وهو يشابه كثيراً طموح الثورة السورية ذاتها، وهو وقوف من تم الزج بهم في بوتقة هذه المنظومة اللا إنسانية ليقولوا بوضوح نحن لا ننتمي لهذا الظلم والتردي بكافة اشكاله، وندينه، ونرفع عن أنفسنا وزره، ونعلّي انسانيتنا مهما كان الثمن، وبالمقابل ادانة نظام الأسد وتثبيت جرمه والدفع بخطوة هامة نحو عدم إعادة تأهيله، نحو توصيف حكمه من جهة قانونية كنظام تعذيب واستبداد، هي محصلة هامة للغاية ساهم بصنعها اياد الغريب مع المنظمات الحقوقية والجهات القانونية الألمانية التي صنعت بمجملها هذه الحدث، وما تبقى فهو لغو لا قيمة له.

وربما يكون هدفنا المعلن اليوم، بعد مسار الغريب، أن يسعى للانعتاق كل من انحرف قسراً عن وعيه الإنساني نتيجة حقبة حكم همجي أخضع مجتمعاً بكامله لوسائل وأدوات تدميرية ممنهجة، وأن نصمت برهة عن الترهات المُغرقة في هذه الأدوات التدميرية ونلتفت للعناية بنتيجة ما قدمته هذه الشهادة للثورة السورية وللشعب السوري فالناجون من موقع الجلاد لا يقلون أهمية في الدفع قُدماً بقضية الشعب السوري عن الناجين من موقع الضحية، في الواقع السوريون هم مجتمع ضحية وليسوا بأفراد ضحايا لأن ضخ الفتنة والكراهية والتسلط والفساد في المجتمع لمدة نصف قرن وجعلها صفات ((الصعود والنجاح)) وبالمقابل محاربة وتهميش الأصوات المدافعة الحق وعن المظلومين والضعفاء هي أمور لن تمر دون أثر كارثي.

مجتمع ضحية اذاً، والتعافي جمعي وان حصل سيكون هو المسار السليم، لنبدأ بردم ما انتجته الحقبة الكارثية ونتوقف عن حفر المزيد من الأخاديد العميقة هذا الطريق الهش أساساً، لنترك للضحايا سُبل انعتاقهم من دور الجلاد في هذه المنظومة ولنوطد بإيجابية كل ما يدفع قُدماً بسوريا والسوريين نحو مسار الحياة بعيداً عن الموت والفتنة والتفرقة وصانعيها.

يُشار إلى أن الدكتورة سميرة مبيض، سياسية وباحثة أكاديمية في علوم الأنثروبولوجيا والبيئة، وحاصلة على شهادات الماجستير والدكتوراه من جامعات باريس، وهي عضو سابق في الهيئة التدريسية لجامعة دمشق، وعضو مؤسس وعضو مجلس إدارة في تجمعات مدنية وسياسية عدّة، وعضو باللجنة الدستورية السورية عن كتلة المجتمع المدني،وكاتبة وباحثة في آليات التطور السياسي والاجتماعي المنشود في سوريا وسبل دعمه وتحقيقه.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى