صحافة

تقرير:يفضح تورط الدفاع الفرنسية بدعم ميليشيات أسد في سوريا

نشرت مجلة “Newlines” تحقيقًا يفيد بوجود أدلة تدين منظمة غير حكومية فرنسية يمينية متطرفة تدعي أنها حامية للمسيحيين، بجرائم حرب في سوريا.

وجاء في التحقيق، الصادر الخميس 10 من حزيران، أن منظمة “أنقذوا مسيحيي الشرق” الفرنسية، كانت تموّل سرًا ميليشيا “الدفاع الوطني” الرديفة للنظام السوري، والمُدانة بقتل وتعذيب سوريين، منتهكة القانون الدولي والفرنسي.

وبحسب التحقيق، قامت المنظمة المرتبطة باليمين المتطرف بتحويل أموال مباشرة إلى ميليشيات تتبع نظام أسد وهو ما ينتهك القانونين الدولي والفرنسي.

وتشمل الأدلة التي تم جمعها على مدار 18 شهرا مستندات مسربة وشهادات سرية ومعلومات مفتوحة المصدر، وتتبعا للأموال موثقاً يمكن بموجبه مقاضاة المنظمة بموجب القانون الفرنسي.

أكدت محامية حقوق الإنسان لورانس جريج، لموقع “Newlines”، خلال مكالمة هاتفية بعد أن أمضت عدة أيام في فحص الأدلة، الدليل الذي يربط المنظمة بالأموال الممنوحة للميليشيا، مضيفة أن لديها ما يكفي لتقديم شكوى قانونية ضد المنظمة في المحاكم الفرنسية.

كما يربط التحقيق المنظمة بقائمة من المنظمات التي تم تحديدها في رسالة كتبت في نيسان الماضي من قبل النائبة الأمريكية، إليسا سلوتكين، رئيسة لجنة الأمن الداخلي في مجلس النواب، وطلبت من وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، تصنيفها كمجموعات “تفوق عنيفة للبيض” في الخارج.

تشمل القائمة مجموعة “Generation Identity” المتطرفة للبيض، وهي حركة شبابية نازية أوروبية نشأت في فرنسا عام 2012 (لكنها انحلت منذ ذلك الحين)، وتشترك في تأسيسها مع “SOSCO”.

صنفت “SOSCO” عام 2020، شريكة لوزارة الدفاع الفرنسية، وهو امتياز مخصص عادة لشركات مثل مقاولي الدفاع عالي التقنية. كانت “SOSCO” هي المنظمة غير الحكومية الوحيدة التي عملت في الشرق الأوسط بهذه الحالة من 2015 إلى بداية 2020.

وأبلغت وزارة الدفاع مجلة “Newlines” في رسالة بريد إلكتروني أنها أنهت هذه الشراكة دون تقديم مزيد من التوضيح.

بدورها قالت نائبة رئيس المنظمة السورية “مسيحيون من أجل السلام”، سميرة مبيض، للمجلة إن “الرواية السياسية كانت أن الأسد قام بحماية الأقليات، وكانت هذه رواية قوية”.

نصّب النظام السوري نفسه على أنه “حامي الأقليات” منذ الأيام الأولى للانتفاضة السورية التي تحولت إلى حرب، عندما وصف رئيس النظام، بشار الأسد، المتظاهرين السلميين بأنهم “إرهابيون”، وشرع في تصعيد استخدام القوة المميتة ضدهم.

مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا، حرضت دعاية النظام المسلمين السنة الذين عارضوا الأسد علنًا، ضد الأقليات الدينية في البلاد التي ادعى أنهم حلفاء مخلصون له، ومع ذلك، قام النظام بسجن وتعذيب المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى التي عارضته بوحشية.

وأوضحت مبيض أن منظمة “أنقذوا مسيحيي الشرق” استغلت هذه الرواية الدينية الكاذبة والمثيرة للانقسام، وكان لهذه الديناميكية تأثير سلبي على خلق الانقسام على أسس دينية أو طائفية.

وأضافت مبيض أن منظمتها لاحظت حملات جمع التبرعات العدوانية التي قامت بها المنظمة في فرنسا و تتبعت الأموال، للتأكد من مقدار ما كان يذهب إلى الأعمال الخيرية التي زعمت “SOSCO” أنها تدعمها في سوريا.

وتحدثت “Newlines” إلى شهود في المجتمع المسيحي في سوريا، بمن في ذلك أعضاء الكنائس المحلية، الذين رددوا انتقاد مبيض لسلوك “SOSCO”.

تم توثيق العلاقة بين “أنقذوا مسيحيي الشرق” والنظام السوري، وكذلك الميليشيات “الوحشية” المؤيدة للأسد المتمركزة في محافظة حماة السورية، في وسائل الإعلام الفرنسية منذ أن بدأت المنظمة عملها في سوريا عام 2013.

ويظهر تحقيق “Newlines” أن المنظمة تقوم بتحويل مئات آلاف اليوروهات سنويًا من فرنسا وأماكن أخرى إلى سوريا، مع  التحايل على العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، من خلال تحويل الأموال عبر مؤسسات مالية وسيطة موجودة في العراق ولبنان، حيث توجد لدى المنظمة مكاتب إقليمية.

الأدلة الأكثر إدانة التي يُزعم أنها تربط المنظمة مباشرة بقوات “الدفاع الوطني” والمتهمين بارتكاب جرائم حرب، هي فواتير تم تسريبها إلى “Newlines” من قبل المبلغين عن الانتهاكات.

تتضمن الأدلة بعض الفواتير التي تم تزويرها على ما يبدو لخداع المراجعين في فرنسا، الذين صرحوا خلال جلسات الاستماع العامة الروتينية (التي تم تفويضها في فرنسا للمنظمات غير الربحية) بأنهم وجدوا سجلات “SOSCO” المالية “غير قابلة للتحقق”، جنبًا إلى جنب مع الشهادات المجمعة في التحقيق، الذي يوثق التبادل المباشر لما يقارب 46 ألف يورو.

يوثق التحقيق عددًا لا يحصى من جرائم الحرب السابقة والحالية التي يُزعم أن ميليشيا “الدفاع الوطني”، بقيادة سيمون الوكيل في محردة بريف حماة، ارتكبتها خلال علاقتها مع المنظمة.

ووفقًا للمحامية لورانس جريج، فإن هذه الأدلة الإضافية، تسمح أيضًا للقضاء الفرنسي بمحاكمة الوكيل وميليشياته على جرائم مزعومة ضد الإنسانية، حتى لو كانت غيابيًا.

وأكدت جريج، “سنبدأ الشكوى في المحكمة ضد (SOSCO). يمكن محاكمة الميليشيات السورية غيابيًا، لدينا ما يكفي لفتح تحقيق ضدهم”.

يثير تحقيق “Newlines” أيضًا تساؤلات حول المدى الذي يمكن أن يكون فيه أفراد المنظمة، الذين هم أيضًا جنود احتياط فرنسيون، قدموا لسيمون الوكيل أو ميليشياته، عن قصد أو عن غير قصد، مشورة عسكرية أو استراتيجية ميدانية خلال السنوات السبع، خلال زيارات “SOSCO” إلى مدينة محردة وجهود جمع التبرعات لها.

أحد هؤلاء الاحتياطيين العسكريين هو مدير العمليات في “SOSCO” والناشط اليميني المتطرف، فرانسوا كزافييه جيكويل، الذي كان من الواضح أن تصويره أمام الكاميرا كان كافيًا لجعل الحزب السياسي السائد الأكثر رجعية في فرنسا، (الجبهة الوطنية)، يطرده من صفوفه في عام 2011.

قدم جيكويل تدريبًا طبيًا للقوات الخاصة الكردية وأفراد الجيش العراقي، كما أقر صراحة في تقارير وسائل الإعلام الفرنسية.

ونشرت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي عشرات الصور لأفراد آخرين من المنظمة يقفون مع سيمون الوكيل وميليشياته، وهم يرتدون زيًا عسكريًا ويلوّحون بالسلاح، في مواقع عسكرية مختلفة بمحافظة حماة وبلدة محردة، بما في ذلك ساحة دير “مار جرجس” التي حوّلها النظام السوري إلى ثكنة عسكرية، في انتهاك للقانون والأعراف الدولية المتعلقة بحماية دور العبادة.

والوكيل وميليشياته متهمون من قبل أفراد مجتمعهم بخطف وقتل المدنيين الذين تصدوا لهم.

كان ثلاثة من أفراد عائلات ضحايا الوكيل الذين قدموا إفاداتهم في التحقيق تعرفوا على أحبائهم من بين ملفات “قيصر” ، التي تضمنت آلاف الوثائق والصور التي تم تهريبها من السجون السورية في عام 2013.

حصلت “Newlines” على تقرير غير متداول كتبه باحث عن مقاولي الدفاع الغربيين والتحالف الدولي، يستند إلى مقابلات مفصلة مع مصادر في العراق وسوريا ولبنان، يوثق تحويل المنظمة الأموال من المانحين الدوليين، وخاصة في فرنسا، إلى ميليشيات النظام السوري.

وبحسب التحقيق، ترسل عدة دول دعمًا ماليًا إلى مدينة محردة، يتم توجيه جميعها إلى سيمون الوكيل، الذي يرسل تقارير إلى وزارات الخارجية في البلدان التالية: فرنسا، المملكة المتحدة، السويد، الولايات المتحدة، سويسرا، حول وضع المسيحيين في المنطقة بشكل عام.

ولم تعلم الدول المتبرعة أن هذا الدعم يذهب إلى الجماعات المسلحة، ومن أكثر الدول التي تستقطب منها ميليشيات الوكيل أكبر قدر من الأموال هي فرنسا، تليها المملكة المتحدة.

وبسبب العقوبات المفروضة على النظام السوري، كان على المنظمة الفرنسية تحويل أموالها إلى مؤسسات مالية في دول أخرى، وتحديدًا العراق ولبنان، حيث لديها مكاتب إقليمية. من هناك، عمل “متطوعو” المنظمة كوسطاء ماليين، حيث قاموا بوضع النقود في ظروف وحملوها عبر الحدود إلى سوريا، وفقًا لشهادة جمعتها المجلة من المخبرين.

ولم يتضح إذا كان هؤلاء “المتطوعون” قادرين على استخدام ما يُعرف بـ”VIP” أو “الطريق العسكري” الذي يربط لبنان وسوريا من خلال التحايل على المعبر الحدودي، لكنّ شهودًا داخل سوريا قالوا إن موظفي المنظمة سافروا مع المرافقين العسكريين والاستخباراتيين السوريين بمجرد دخولهم سوريا، خاصة خلال رحلاتهم العديدة على الطريق السريع من دمشق إلى محافظة حماة، حيث التقوا بسيمون الوكيل، وقائد آخر على الأقل من قوات “الدفاع الوطني” يُعرف باسم نابل العبد الله، في بلدة السقيلبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى