مقالات الرأي

مبادرة سوريا الحياة .. إطار حيادي لرؤية تعددية يرسم مستقبل سوريا !

مبادرة سوريا الحياة .. إطار حيادي لرؤية تعددية يرسم مستقبل سوريا !

في ظل حالة  الجمود السياسي الذي تشهده سوريا منذ عدة سنوات ،و نظراً لتعنت النظام السوري في موقفه الرافض لأي تغيير على شكل الحكم في سوريا ، وعدم تمكن المعارضة السورية من إطلاق مبادرة تنال اهتمام المجتمع الدولي للدفع نحو تغيير حقيقي في سوريا ، الى جانب حالة الهدوء العسكري نسبياً الذي تشهده الفترة الحالية ، نتيجة لـ التفاهمات التركية – الروسية – الإيرانية ، قامت عدة شخصيات سورية بإطلاق مبادرة سياسية – مجتمعيه تحت مسمى ” سوريا الحياة ” والتي ترسم – بحسب القائمين عليها – تصور لشكل سوريا المستقبلية التي تحقق العدالة والمساواة لجميع مواطنيها بغض النظر عن العرق أو الدين أو المكان الجغرافي .

وفور الإعلان عن المبادرة طالتها أصابع الاتهام من جهات سياسية ومجتمعيه مختلفة ، وتنوعت الاتهامات ما بين العمل على تقسيم سوريا ، كون المبادرة تطرح ضمن بنودها فكرة الفدرالية اللامركزية ، الى اهتمامات بتجاوز الواقع عبر طرح خطة لمستقبل سوريا فيما لا يزال النظام الشمولي في سوريا يسيطر على مساحات واسعة من البلاد ، وليس إنتهاءاً بوصف المبادرة بأنها مبادرة ” فلسفية ” في وقت يواجه المجتمع السوري أزمة إنسانية  طالت معظم مقومات الحياة ، ووصل تأثيرها الى معظم السوريين .

ولعل السبب المباشر وراء الانتقادات المختلفة التي طالت المبادرة، كونها قد تكون المبادرة الوحيدة المطروحة في الوقت الحالي، والتي تتحدث عن سوريا المستقبل، ما جعلها تحت الأضواء فور الإعلان عن الركائز الأساسية التي تقوم عليها .

وتطرح المبادرة خمس ركائز أساسية وهي:

– اعتبار البعد الزمني لتاريخ سوريا والبعد المكاني الجامع عاملين رئيسيين في إعادة تعريف الهوية التعددية بما حمله تاريخ المنطقة من تتالي حضارات وثقافات انسانية حاضرة في سوريا لغاية اليوم وبما يحدده العامل المكاني من إطار وجود مشترك لسوريين.

– اعتبار البعد المكاني مفهوم عابر للأديان والأيديولوجيات القومية والحزبية وعامل جامع للمتشاركين بحيز مكاني واحد في المحيط الذي يقدم لهم إمكانات الحياة وفق عقد اجتماعي ينظم الوجود المُشترك.

– اعتبار الارض جزء من الهوية الجامعة وفق مبدأ الملكية الجمعية لفضاء الحياة والموارد الطبيعية والمحيط الذي يشكل مكانًا للتشارك عندما تنتظم فيها الحياة الاقتصادية والاجتماعية وفق مبادئ الحقوق والواجبات تجاه هذه الملكيات العامة وفق قانون يضبطه عقد اجتماعي جديد وعادل بما يحقق المواطنة المتساوية.

– الأرض السورية أرض تاريخية ووطن نهائي لكافة المكونات التي تشكل بمجموعها الشعب السوري من عرب وكرد والسريان الآشوريين والتركمان وغيرهم.

– الاعتراف بكافة الانتهاكات التي طالت جميع مكونات الشعب السوري من عرب وكرد والسريان الآشوريين والتركمان وغيرهم وضمان عدم تكرار حصولها عبر العقود الاجتماعية والقوانين والدستور.

وللتعرف على المبادرة أكثر، والإجابة على النقد الذي تم توجيهه لمبادرة سوريا الحياة، كان لنا لقاء مع الدكتورة سميرة مبيض، أحد المؤسسين للمبادرة، الباحثة والأكاديمية في الحوكمة البيئية والعلوم الانسانية، عضو اللجنة الدستورية السورية عن كتلة المجتمع المدني والتي تشغل أيضاً منصب عضو مجلس إدارة تكتل السوريين وفي عدة منظمات مدنية وسياسية.

في البداية اشكر اهتمامكم بـ التعرف على مبادرة سوريا الحياة، ترتكز المبادرة على منطلقين الأول هو قراءه معرفية علمية للقرن المنصرم ولواقع سوريا خلال هذا القرن، وللمعادلات التي وضعت عليها المنظومة السياسية السابقة في سوريا وعلى ما ادت اليه من نتائج.

قراءة هذه النتائج على المستوى المجتمعي السوري بشكل رئيسي وأيضاً على المستويات الاقتصادية والسياسية، وتأثيرها على المستوى الإقليمي والدولي، توضح التقهقر الكبير والنتائج السلبية في سوريا وكذلك على الصعيد المحلي، الإقليمي والدولي.

وبناءً على ما سبق كانت مبادرة سوريا الحياة كنتيجة لهذه القراءة المعرفية، الى جانب التراكم العمل السياسي خلال السنوات العشر السابقة خلال فترة الثورة السورية، ودراسة أسباب الفشل الذي كانت تصل له المحاولات والمبادرات السياسية نتيجة تجاهلها لعوامل هامة في المجتمع السوري، ولخضوعها لإستقطابات سياسية وايديولوجية، وعليه جاءت مبادرة سوريا الحياة كمحاولة لتقديم رؤية سياسية حيادية عن الإستقطابات السياسية والأيديولوجية، وايضاً استقطابات المحاور والتبعية.

وعن القائمين عن المبادرة فيمكننا إعتبار أن مبادرة سوريا الحياة هي عمل تراكمي معرفي سياسي وعلمي خلال السنوات العشر الماضية، والذي أدى الى طرحها وكنت من المؤسسين لهذه المبادرة من موقعي كأكاديمية وفاعلة في أطر سياسية ومدنية سورية عديدة.

2_هل المبادرة محصورة بـ المعارضة السورية ؟ أم أن الباب مفتوح للمشاركة حتى بالنسبة لـ المؤيدين للنظام السوري ؟

-انطلاقاً من كون المبادرة إطار حيادي لبناء رؤية سورية تجمع السوريين وتبني مستقبل سوريا ، فهي ليست حصراً على جهة من الجهات ، إنما موجهة الى كل من يؤمن بفكرة التغيير الجذري في سوريا ، ولكل من يؤمن أن مستقبل سوريا واستمراية الحياه فيها ، تتعلق بالقطع مع الحالة السابقة من الاستبداد والشمولية ، والانتقال الى دولة القانون والدستور ، الدولة التي تحفظ وتضمن حقوق الجميع ، وتقوم على بناء الإنسان والمجتمع السوري، وأيضاً على إعادة سوريا الى ركب الإنسانية، بعد أن دخلت في مرحلة جمود فعلي على الصعيد الإقتصادي ومجتمعي وسياسي ، وليس جمود فقط ، بل أيضاً تقهقر لمدى طويل جداً يقارب القرن من الزمن إضافة الى أنها إطار لما بعد الصراع ، أي أنها تأخذ بعين الإعتبار أن هذا الصراع أضاف على العوامل التي كانت موجودة في سوريا ، والتشرذم المعنوي الذي ترسخ ضمنها، جاء الصراع ليضيف أيضاَ المزيد من الصعوبات ، وعليه فإن هذا الإطار الحيادي مفتوح لجميع السوريين الذين يؤمنون بالتغيير الجذري، والقطع مع المرحلة السابقة، والإقرار بفشلها وفشل جميع منتجاتها

3_ كيف تلقيتم ردود الأفعال محلياً ودولياً بعد الإعلان عن الوثيقة النهائية لـ ” مبادرة سوريا الحياة  ” ؟

-فيما يتعلق بردود الأفعال على مبادرة سوريا الحياه فقد جاءت متباينه ، يمكنني ذكر ثلاثة من ردود الأفعال المحلية على المبادرة

الرد الأول كان عبارة عن عدم إعطاء أهمية لها ، بحكم أنها مبادرة ذاتية سورية ، من المجتمع المدني ، اي أنه لا يحملها أي من الأطر أو المنصات الموجودة على الساحة السياسية السورية ، فـ بالتالي البعض اعتبرها ليست ذات أهمية.

وجهة النظر الثانية جاءت سلبية، بحكم أن المبادرة تطرح بوضوح مفهوم اللامركزية، وشعارها سوريا الحياة نحو سوريا اتحادية، وبحكم أن مفهوم اللامركزية تم تشويهه في السياق السوري، وهو أيضاً مفهوم لم يُبنى له البعد المعرفي اللازم لدى السوريين، لذلك تم مهاجمة المبادرة من منطلق كونها تعمل لتحقيق دولة اتحادية في سوريا.

وكان هناك دراسة معمقة من قبل القائمين على المبادرة حول ردود الأفعال السلبية والإنتقادات السلبية التي قدمت حولها، رغم أن معظمها كانت بعيدة عن مفهوم المبادرة ، فـ المبادرة تحمل مفهوم يحافظ على وحدة سوريا ، مع إحترام وضمان جميع حقوق السوريين .

وجهة النظر الثالثة كانت إيجابية من أشخاص تعرفوا على المبادرة ، أو انضموا الى المؤسسين في المبادرة ، وأيضاً قام البعض بنقاش مبادئ وبنود المبادرة ، والإضافة عليها بشكل إيجابي ، أو نقدها بشكل بناء .

أما على الصعيد الدولي، فـ المبادرة لا تزال قيد التفاعل مع السوريين ، وستعرض على الجهات الدولية بعد أن يكون عليها توافق واسع من الطيف في المدى السوري ، لتكون جدواها على الأطراف الدولية ذات تأثير إيجابي بعد الوصول لتوافق سوري عليها .

4_ما هي الخطوات التي تلت الإعلان عن الوثيقة ؟

-قام أعضاء المبادرة بالتواصل مع العديد من الجهات، ولكن وفق نقاش المضامين كمضامين سياسية تندرج ضمن التوافقات السياسية التي يتم عرضها على الساحة السورية، ولكن ايضاً بحملها كـ مضامين دستورية ونقاش المضامين كـ مضامين دستورية حيث تكون جزء من رؤية السوريين نحو المستقبل، وإدراجها في النقاشات والحوارات السورية من هذه المنطلقات، أي من منطلق نقاشها وتفعيلها في كافة الأطر السورية.

 5_ على الرغم من أن الوثيقة أكدت على ” وحدة الأراضي السورية ” إلا أن اتهامات طالتها بأنها تشير الى تقسيم سوريا ” فدرالياً ” ضمن بنودها؟ ما ردكم على ذلك؟

-تؤكد مبادرة سوريا الحياة على وحدة الأراضي السورية، لأن الأراضي السورية متكاملة فيما بينها ، بما يسمح بأن يكون هناك استدامة وتنمية للشعب السوري  ولسوريا ، ونهضة على كافة الصعد ، فـ بالتالي فإن وحده سوريا هي من المرتكزات الأساسية في مبادرة سوريا الحياة ، لكن رغم ذلك تعرضت الوثيقة لاتهامات ، طالت بشكل خاص أن المبادرة تشير الى الفيدرالية ، وهذا له العديد من الأسباب .

السبب الأول وللأسف هو سهولة تبادل الاتهامات بين السوريين، وذلك نتيجة الخضوع لفترة طويلة للنظام الشمولي، وانعدام النقاش، وانعدام احترام الرأي الآخر بين السوريين، فـ بالتالي هذه الثقافة تجعل من السهولة بمكان للبعض بتوجيه الاتهامات دون أسس سليمة.

السبب الثاني هو غياب الحياة السياسية والمفاهيم السياسية، كالاتحادية، وحتى اللامركزية عموماً، وغياب مناقشة هذه المفاهيم عن المجتمع السوري، وعليه فلم يكن هناك إدراك كافي لها مما أدى لتوجيه الاتهامات. فاللامركزية هي نظام حكم حديث، يسمح بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وفي الوقت ذاته يسمح بتحقيق تكامل بين الأقاليم والمناطق السورية، من أجل تنمية ونهوض هذه المناطق.

المسبب الثالث لهذه الاتهامات هو تشويه مصطلح الفدرالية في الفترة السابقة ، بحكم أنه انطلق من مناطق محددة بناءً على مفهوم قومي محدد، أو طرحه من مفهوم مذهبي كما تسعى له بعض الجهات، بينما مبادرة سوريا الحياه تحمل مفهوم الفدرالية من مفهوم جغرافي ، أي بعيداً عن أي مرتكز قومي أو عرقي أو مذهبي ، أو كل ما يمكن أن يسبب في تشكيل أقاليم متصارعة فيما بينها، بل العمل على تشكيل أقاليم متناغمة فيما بينها، وقائمة على التعددية السورية، أي أن يكون تشكيل هذه الأقاليم قائم على التناغم المجتمعي ، وعلى التناغم الاقتصادي، وهما العاملان الرئيسيان الذين ترتكز عليهم المبادرة ، والعامل الأساسي في هذا السياق هو تعددية الهوية السورية ، والتنوع الحضاري المشترك لتاريخ سورية، والمرتكز المكاني الذي يصنع الهوية السورية ، والذي يحمل الموارد التي تسمح بالتنمية  وتحقيق الرؤية المستقبلية.

6ـ أيضاً من الاتهامات التي طالت الوثيقة أنها تتجاوز مشاكل الواقع، بالحديث عن المستقبل رغم الجمود السياسي الذي تشهده المرحلة الحالية؟

-أساس ما قامت عليه المبادرة هو المبادرة الذاتية وكسر الجمود المفروض على الحالة السياسية، لا أرى ذلك من منطلق الاتهام، وإنما من واجبنا كـ سوريين أن لا ننتظر الحلول من أي طرف، وأن لا ننتظر تحرك جهة معينه لوضع  رؤية لسوريا ، وإنما يجب أن تكون الحلول قادمة من السوريين أنفسهم ، لأنهم أدرى بمجتمعهم ، وأدرى بما عانوه من المنظومة السابقة ، فـ بالتالي وعلى العكس أن أرى أن هذه الاتهامات هي نقد إيجابي للمبادرة لكونها كسرت الجمود السياسي ، وابتعدت عن كافة الأطر والمنصات الموجودة ، والتي لم تقدم بشكل أو بآخر أي حلول عملية لمستقبل سوريا ، ووضعت رؤية ربما تحفز السوريين على استكمال ما تم التأسيس له في المبادرة ، من أجل أن يكون هناك إمكانية لتطبيقها .

الحال الطبيعي هو أن يكون هناك مبادرات سورية لولا المنهج الذي زرعه النظام الشمولي بقتل كل مبادرة ذاتية، وربطها باتهامات – على سبيل المثال – مبادرة تسعى لتقسيم سوريا بينما هو قسم سوريا فعلياً ومثل هذه المبادرات قد تعيد وحدتها، هدفه وأد أي توجهات جادة لدى السوريين من أجل الوصول الى حلول لواقعهم ، ليس في الشأن السياسي فحسب ، بل هو منهج متبع يتم إستخدامه من قبل النظام الشمولي من أجل تدمير المجتمع وإبقائه في حالة جمود ، وفي حالة التبعية لمن يفرض حلول تواءم استمرارية النظام في السلطة ، أو تقاسم السلطة القمعية بين النظام والمعارضة

8ـ هل يمكن اعتبار الوثيقة التي أعلنتم عنها، مسودة لـ الدستور السوري الجديد في المرحلة المستقبلية ؟

-تتضمن مبادرة سوريا الحياة مفاهيم تصلح أن تكون مضامين دستورية في الدستور السوري الجديد، والذي يسعى للتغيير الجذري، والقطع مع مرحلة الحكم الشمولي وأي محاولات تعمل على إعادة تأهيله تحت اي مسمى.

9ـ ما هي الخطوة التالية لـ المبادرة ؟

-مبادرة سوريا الحياة هي إطلاق لقاعدة مشتركة في إطار حيادي يحتاج الى البناء ضمنه بخطوات ترتكز على الإدراك المعرفي والعملي  والدراسات ، وكل ما يمكن أن يخدم أن تطبق هذه الرؤية في مستقبل سوريا ، بالاعتماد على السوريين بالأساس ، وعلى وعيهم الجديد الذي ينهي الحقبة السابقة ويبني لمستقبل مختلف .

وهذا ما نعمل عليه على كافة الصعد، ونسعى أن نوجد إمكانية لـتحقيق مصلحة السوريين، والمساهمة في بناء الاستقرار في المنطقة والعالم، والأهم هو العمل على إعادة سوريا الى مكانتها الطبيعية في ركب الإنسانية، التي أُبعد عنها السوريون، وابتعدت عنها سوريا لزمن طويل جداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى